السيد محسن الأمين

129

أعيان الشيعة

الطغرائي ، الثورة يخيم عليها هدوء نفسي قلما تأنسه في شاعر غيره . وعندي ان هذه الصفة لم تتجل في شعر الطغرائي بقدر ما تجلت في لاميته . وتأثر الغربيون بعناية العرب باللامية فعنوا بها وترجموها أكثر من مرة وفي أكثر من لغة وبلاد . وأول ما ترجمت إلى اللاتينية عام 1629 وعنها ترجمت إلى الفرنسية عام 1660 ويقول عنها كرنكو : لعلها أقدم نص من الشعر العربي كان في متناول دائرة واسعة من أوروبا . وفي الرياض لامية العجم قصيدة طويلة تنيف على ستين بيتا وقد أودعها كل غريبة اه‍ ، وقد أوردها ياقوت في معجم الأدباء بتمامها اعجابا بها وكذلك ابن خلكان أوردها بتمامها . ولشهرتها تركناها . مختارات من شعره في أمل الآمل من شعره قوله : إذا ما لم تكن ملكا مطاعا * فكن عبدا لخالقه مطيعا وان لم تملك الدنيا جميعا * كما تهواه فاتركها جميعا هما نهجان من نسك وفتك * يحلان الفتى الشرف الرفيعا وقوله : يا قلب ما لك والهوى من بعد ما * طاب السلو وأقصر العشاق أو ما بدا لك في الإفاقة والأولى * نازعتهم كأس الغرام أفاقوا مرض النسيم وصح والداء الذي * أشكوه لا يرجى له إفراق وهدا خفوق النجم والقلب الذي * ضمت عليه جوانحي خفاق وفي خريدة القصر للعماد الكاتب انه كتب إليه الدهخدا أبو شجاع ابن أبي الوفاء وكان من معاصريه بأصفهان وهو تائب من شرب الخمر يستهديه شرابا : يا من سما بجلاله * فخرا على كل الأنام وغدت مكارم كفه * تغني العفاة عن الغمام ان كنت قد نزهت * نفسك عن مساورة المدام فأسير جودك نحو ما * نزهت نفسك عنه ظام فامنن عليه بالشراب * وعش سعيدا ألف عام فالعمر يركض كالسحاب * وكل عيش كالمنام وأجل ما ادخر الفتى * شكر يبوح على الدوام فاجابه الأستاذ الطغرائي بقوله : من تاب من شرب المدام * ومن مقارفة الحرام وسمت به النفس العزوب * عن التورط في الآثام فاستحي ان تلقاه * منتجعا لأهداء المدام وابني أحق بما سالت * لديه من بلل الأوام فاستسقه فلديه ما * يغنيك عن سقي الغمام واسرق من الأيام حظك * من حلال أو حرام فالدهر ليس ينام عنك * وأنت عنه في منام ومن شعره قوله : جامل عدوك ما استطعت فإنه * بالرفق يطمع في صلاح الفاسد واحذر حسودك ما استطعت فإنه * ان نمت عنه فليس عنك براقد ان الحسود وان أراد توددا * منه أضر من العدو الحاقد ولربما رضي العدو إذا رأى * منك الجميل فصار غير معاند ورضا الحسود زوال نعمتك التي * أوتيتها من طارف أو تالد فاصبر على غيظ الحسود فناره * ترمي حشاه بالعذاب الخالد أوما رأيت النار تأكل نفسها * حتى تعود إلى الرماد الهامد تضفو على المحسود نعمة ربه * ويذوب من كمد فؤاد الحاسد وقوله في مدح العلم قوله : من قاس بالعلم الثراء فإنه * في حكمه أعمى البصيرة كاذب العلم تخدمه بنفسك دائما * والمال يخدم عنك فيه نائب والمال يسلب أو يبيد لحارث * والعلم لا يخشى عليه سالب والعلم نقش في فؤادك راسخ * والمال ظل عن فنائك ذاهب هذا على الإنفاق يغزر فيضه * ابدا وذلك حين تنفق ناضب وقال يسلي معين الملك فضل الله في نكبته ويحضه على الصبر : ( 1 ) فصبرا معين الملك ان عن حادث * فعاقبة الصبر الجميل جميل ولا تيأسن من صنع ربك انه * ضمين بان الله سوف يديل فان الليالي إذ يزول نعيمها * تبشر ان النائبات تزول ألم تر أن الليل بعد ظلامه * عليه لأسفار الصباح دليل ألم تر ان الشمس بعد كسوفها * لها منظر يغشى العيون صقيل وان الهلال النضو يقمر بعد ما * بدا وهو شخت الجانبين ضئيل ولا تحسبن السيف يقصر كلما * تعاوره بعد المضاء كلول ولا تحسبن الدوح يقلع كلما * يمر به نفح الصبا فيميل فقد يعطف الدهر الأبي قياده * فيشفى عليل أو يبل غليل ويستأنف الغصن السليب مضاره * فيورق ما لم يعتوره ذبول ويرتاش مقصوص الجناحين بعد ما * تساقط ريش واستطار نسيل وللنجم من بعد الرجوع استقامة * وللحظ من بعد الذهاب قفول وبعض الرزايا يوجب الشكر وقعها * عليك وأحداث الزمان شكول ولا غرو ان أخنت عليك فإنما * يصادم بالخطب الجليل جليل وأي قناة لم ترنح كعوبها * وأي جسام لم يصبه فلول أسأت إلى الأيام حتى وترتها * فعندك أضغان لها وذحول وصارفتها فيما أرادت صروفها * ولولاك كانت تنتحي وتصول وما أنت الا السيف يسكن غمده * ليردى به يوم النزال قتيل أما لك بالصديق يوسف أسوة * فتحمل وطء الدهر وهو ثقيل وما غض منك الحبس والذكر سائر * طليق له في الخافقين ذميل فلا تذعنن للخطب آذاك ثقله * فمثلك للامر العظيم حمول وان امرءا تعدو الحوادث عرضه * ويأسى لما يأخذنه لبخيل ومن شعره قوله : اما العلوم فقد ظفرت ببغيتي * منها فما احتاج ان أتعلما وعرفت أسرار الحقيقة كلها * علما أنار لي البهيم المظلما وورثت هرمس سر حكمته الذي * ما زال ظنا في الغيوب مرجما وملكت مفتاح الكنوز بحكمة * كشفت لي السر الخفي المبهما لولا التقية كنت أظهر معجزا * من حكمتي تشفي القلوب من العمى أهوى التكرم والتظاهر بالذي * علمته والعقل ينهي عنهما

--> ( 1 ) معين الملك فضل الله بن محمد صاحب ديوان الانشاء والطغراء وبعد ان كان الأب وابنه من مؤيدي الوزير السلجوقي نظام الملك المقربين إليه خاصماه فكانت نكتبتهما وكان السجن والتعذيب .